محمد الغزالي
362
فقه السيرة ( الغزالي )
هذا هو النبي الأمي الذي - واللّه - لا يستطيع ذو عقل أن يقول : ليت ما أمر به نهى عنه ، أو ما نهى عنه أمر به ! أو ليته زاد في عفوه ، أو نقص من عقابه ؛ إذ كلّ ذلك منه على أمنية أهل العقل ، وفكر أهل النظر . . . » . وقد أسلم ( المنذر ) ، وعرض على قومه الإسلام ، فمنهم من أعجبه فدخل فيه ، ومنهم من كرهه وبقي على مجوسيته أو على يهوديته ، فلما استشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما يفعل بإزائهم كتب له : « . . من أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية » « 1 » . إنّ توسيع ميدان الدعوة بحيث تشمل المعروف المعمور من أرض اللّه يومئذ أمر يثير التأمّل ، لقد كان العرب يستكثرون النبوّة على واحد منهم ، ويوسعونه جحودا وكنودا ! : وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ( 41 ) [ الفرقان ] . فما يكون شأن الروم والعجم ، وهم يرون العرب دونهم منزلة وحضارة ، وثقافة وسياسة ! ألا يكونون أسرع إلى السخرية وأدنى إلى الكفران ؟ ! . بيد أن أصحاب الرسالات لا ينظرون إلى الأمور على ضوء الحاضر الضيق المنكور ، فإنّ ثقتهم العميقة في سيادة فكرتهم ، وامتداد نطاقها تصغّر العقبات المفروضة في الطريق ، وتجعلها - ولو كانت الشم الرواسي - هباء منثورا . ولو انحصر ( كارل ماركس ) في حدود مذهبه - وهو فكرة مطاردة تصل بذويها إلى السجون - لأصابه الشلل ، وقضى عليه وعلى أفكاره ، لكنّه مضى في سبيله ، وهو على أمل بالغ أن تقوم بتوجيهها دول كبرى ، فإن كان هذا شأن الماديين من أصحاب الأفكار الضالّة ؛ فلا جرم أنّ المرسلين المؤيّدين بالوحي يكاتبون الملوك والأمراء ، وهم موقنون بأنّ ما لديهم من حق سيعلو ما عداه ، وذلك ما كان يجول في نفس الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم وهو يعالج هداية الأعراب الشاردين في الصحراء ، طورا باللين ، وطورا بالشدة ، ثم هو - في الوقت نفسه - ينصح لقادة الشعوب الأخرى أن يفكّروا في هذا الدين الجديد ، وأن يعتنقوه وافرين .
--> ( 1 ) ضعيف ، أخرجه الواقدي بإسناده عن عكرمة ، قال : وجدت في كتب ابن عباس . . فذكره .